محمد طاهر الكردي

276

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وقد لخصت في مكان آخر بعض المناقب التي يختص بها النبي صلى اللّه عليه وسلم دون سواه ، واليد البيضاء التي أسداها للإنسانية بوصفه نبيا . وهذه المناقب هي من خصائص الأنبياء ، ولا توجد في سيرة غيره من الأنبياء ، وأكبر الظن أن مرد ذلك إلى السببين اللذين سلف ذكرهما . وإذا كنا نحن معشر المسلمين نؤمن بأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم هو المثل الأعلى في الأنبياء ، فما ذلك إلا لأنه اجتمع فيه كل ما تفرق في غيره من الفضائل والكمالات . وقد كان كل نبي من أنبياء اللّه مثلا أعلى ، وكان قدوة للناس الذين بعث فيهم ، وكان يمكن أن يكون قدوة لمن جاء بعده لو عرف تاريخ حياته على الوجه الأكمل ، وأتيحت له كافة الفرص لإظهار الفضائل التي كان يتحلى بها قطعا ، لم يتمكن من إظهارها لأنه لم تتهيأ له الظروف المناسبة . والحقيقة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم هو أكمل الأنبياء ؛ لأنه تتوافر فيه جميع مقتضيات النبوة ، كما يجتمع فيه كافة الكمالات التي تفرقت في غيره . وإذا تقرر ذلك ، فليس من العسير أن نبين الصفات التي استحق بها أن يكون المثل الأعلى في الأنبياء وسنتحاشى المقارنة البغيضة ما أمكن ، على أنه لا وجه للمقارنة بين اثنين نعرف عن أحدهما كل شيء ولا نعرف عن الآخر إلا القليل النادر . وجاء فيه أيضا بصحيفة 89 ما يأتي : ومن الفضائل التي انفرد بها صلى اللّه عليه وسلم وتدل على وصوله إلى أسمى مرتبة من الكمال ، أعني مرتبة التخلق بأخلاق الربانية ، ثباته على العهد والمبدأ ، بحيث لا يتغير ولا يتبدل تبعا للظروف والأحوال . فهو هو في حالي العسر واليسر ، والغنى والفقر ، والهزيمة والنصر ، مثله في ذلك كمثل كلمات اللّه وسننه . ولن تجد لسنة اللّه تبديلا . فمن ذلك فضيلة التواضع التي كان يمتاز بها في جميع أطوار حياته ، ولكن " انتصاراته الحربية " كما قال واشنجتن إيرفنج : " لم تبعث في نفسه شيئا من الفخر والزهو ؛ لأنه لم يكن له فيها أي مأرب شخصي " . وعندما بلغ أوج سطوته وسلطانه ، ظل محتفظا بالبساطة في مظهره وأخلاقه ، كما كان في أيام الفقر والشدة . وكان يكره أن يظهر بمظهر الملوك ، ويستاء إذا بدرت من الناس حركة غير عادية تدل على الاحترام والتعظيم حين يدخل عليهم ، وإذا كان هناك سلطان يطمع هو إليه ، فسلطان الدين الذي جاء به . أما السلطان الدنيوي الذي كان يتمتع به في حياته ، فقد كان مجردا من مظاهر الملك ، ولم